صقور البريد المصرى
بسم الله الرحمن الرحيم
موقع/صقورالبريدالمصرى

عز يزى الزائر ---------- عزيزتى الزائره

يرجى التفضل بالدخول اذا كنت عضوا معنا او من فضلك التسجيل اذا اردت الانضمام الى موقع صقورالبريدالمصرى والمشاركه معنا فى كل ماهوجديد وشـــــــــــــــــــــــــكرا
اداره الموقع

صقور البريد المصرى

موقع يضم اهم الاحداث البريديه وحوارات بريديه ومقترحات وابتكارات والشكاوى والتظلمات والابحاث البريديه والمرأه والتسليه والجمال والخيال والابحاث العلميه والروحانيات والواحات الايمانيه واهم المناسبات البريديه والراى والراى الاخر
 
الأبحاث البريديالرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاركونا دائما لتشاهدوا كل ماهو جديد فى منتدى صقور البريد


بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
كل مالديه فكرة
نرحب بكل مالديه اى فكره /ارسل الينا افكارك ومقترحاتك / ابتكارات وابدعات
تغطيه كامله لقطاع الجيزه والفيوم واكتوبر
اهم الاحداث/متابعه اخبار المناطق/ تغطيه شامله/حوارات مثيره/اهم الانجازات/ورش العمل/الراى والراى الاخر/الشكاوى والردود عليها /حوارات مع المسئولين
منتدى
التبادل الاعلاني
تغطيه كامله لمحور شئون المناطق
تصويت
لوحه شرف
احرار البريد الشرفاء/المثقفين البريديين/اصحاب الراى الحر/ اقلام شريفه/اصحاب اصوات الحق/المخلصين فى العمل/ الامناء واصحاب الضمير الحى
نحلم نعم......نتوقف..........لا
2011-01-10, 23:51 من طرف Admin
[]الحلم الذى يسعد ويراود الجميع هو ان يكون الفرد من اسعد السعداء الموجدين على سطح الارض الحلم مشروع ولكن ليس على حساب الغير بالاجتهاد تصل الى ماتريده دائما تعودعلى ان تحلم بالمستقبل تفاءلوا بالخير تجدوه و عن المستقبل …

[ قراءة كاملة ]
تعاليق: 1
موضوعك الأول
2011-01-10, 19:43 من طرف Admin
مرحبا بك أيها العضو الكريم في منتداك الخاص وهنيئاً لك بانضمامك إلى عائلة أحلى منتدى.

هنا نوفر لك بعض المعلومات القيمة التي ستساعدك بالبدئ في إدارة منتداك.

كيف تدخل إلى لوحة الإدارة؟للدخول إلى لوحة إدارة منتداك عليك …

[ قراءة كاملة ]
تعاليق: 0
مندوب خدمات ---- اهميه دور مندوب الخدمات ---هموم موزع البريد ----مسؤليه موزع البريد--فطنه موزع
ارتباط موزع البريد بالمناطق العشوائيه ---مهام موزع البريد --- اتساع دائره التوزيع --- الياقه البدنيه لمندوب الخدمات --- المخاطر التى تواجه مندوب الخدمات ---المعوقات الاساسيه للمندوب الخدمات --- مدى ارتباط مندوب الخدمات بالجمهور --دور مندوب الخمات فى تنشيط الخدمات البريديه --مدى تاثير مندوب الخدمات على الجمهور ...
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
Admin
 
صلاح دعبس
 
شكرى سليمان
 
عادل عايش
 
أحمد ممتاز
 
مندور ابو الدهب
 
احمد
 
emadpost
 
سميرفرج بكير
 
ندى
 

شاطر | 
 

 صفات النبي القائد صلي الله عليه وسلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عادل عايش

avatar

Posts : 12
reputation : 3
Location : 24/02/2011
Site : صقور البريد المصرى

مُساهمةموضوع: صفات النبي القائد صلي الله عليه وسلم   2011-05-28, 09:36

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

السمات العشر للرسول القائد .
للدكتور / عبدالرحمن البر .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين.



نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من المتبعين لسنة نبيه وحبيبه؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الواردين حوضَه، الشاربين من يده يوم القيامة مشربًا هنيًّا رويًّا، سائغًا زكيًّا، إنه على كلِّ شيء قدير، أما بعد..


من سمات اتباعه صلى الله عليه وسلم أن يكون في كل مناحي الحياة؛ فالنبي صلوات الله وسلامه عليه يتميز عن غيره- حتى من الأنبياء والرسل- بأن سيرته المحفوظة وآثاره المعروفة شاملةٌ كلَّ مجالات الحياة؛ يجد المعلمُ فيه أسوة، ويجد الأب فيه أسوة، ويجد التاجر فيه أسوة، ويجد الفقير فيه أسوة، ويجد الغني فيه أسوة، ويجد القائد فيه أسوة، ويجد المقود فيه أسوة، وهكذا.. كل أصناف الناس وكل مجالات الحياة لا تخلو من وقائع عملية تطبيقية قام بها النبي صلى الله عليه وسلم تصلح لأن يتأسَّى بها الناس وأن يقتديَ بها جميع الخلق.



وفي هذه الرسالة سنتناول جانبًا من جوانب القدوة في حياته صلى الله عليه وسلم وهي قدوة المسئول والقائد؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم صاحبَ المسئولية العظمى في دولته الكريمة التي أسَّسها على تقوى من الله ورضوان؛ أقام دولة راشدة عادلة كريمة؛ أحيا فيها كل أسباب العدل، وملأ الحياة فيها خيرًا وبرًّا وبركة، وكان صلى الله عليه وسلم ذا مسئولية في التبليغ؛ أقام رسالة، ونشر دعوة، وجاهد لها جهادًا كبيرًا فكان نعم القائد.. صلوات الله وسلامه عليه.



إذا نظرنا إلى هذا الجانب وأردنا أن نذكر بعض جوانب القدوة فيه كقائد صلى الله عليه وسلم وجدنا أمورًا مهمة جدًّا لا بد أن نقف عندها، وسأعدُّ منها في هذه الرسالة عشرًا، على النحو التالي:



1 -قائد والد

فالنبي كقائد صلى الله عليه وسلم كان يرى نفسه من أمته بمنزلة الوالد؛ فالقائد والد، والقيادة شفقة ورحمة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لهم هذا؛ ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد؛ أعلمكم" (أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، 1/3 (Cool، وحسنه الألباني).



ومن مظاهر تلك الوالدية الكريمة أنه صلى الله عليه وسلم لمَّا فتح الله عليه الفتوح كان يقضي ديون الميت من رعيته إن لم يترك له قضاء؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفَّى عليه الدين فيسأل: "هل ترك لدينه فضلاً؟" فإن حدث أنه ترك لدينه وفَّاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفِّي من المؤمنين فترك دينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته" (أخرجه البخاري في كتاب: الكفالة، باب الدين 4/ 477 (2298)، ومواضع أخرى، ومسلم في كتاب: الفرائض: باب من ترك مالاً فلورثته 3/1237 (1619)).



هكذا كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعتبر نفسه من رعيته والدًا، والوالد لا يرجو لأولاده إلا الخير، ولا يحب لنفسه إلا ما يحب لهم، بل يعلم الناس من كل الأجناس أن أكثر الناس رغبةً في أن يكون أولادُه خيرًا منه هو الوالد، وهكذا كان نظر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى رعيته؛ نظر القائد إلى أولاده في شفقته ورحمته وشغله الشاغل بهذه الرعية؛ فهو القائل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته..." (أخرجه البخاري في كتاب: الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن 2/380 (893)، ومواضع أخرى، ومسلم في كتاب الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم 3/1459 (1829)).



كان يجد نفسه بين رعيته وبين أمته ذلك الرجل الكريم في أهله، ومن ثم كان صلوات الله وسلامه عليه- بهم رفيقًا؛ يقودهم قود الراعي الشفيق الذي يرتاد لرعيته أسباب الخير، ولا يوردهم موارد الهلكة؛ لا يحملهم على ما يشق عليهم، ولا يُنزلهم المنازل التي تعنّتهم وتؤذيهم، ولا يكلّفهم فوق طاقتهم، بل كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يجتهد في العمل لرعيته والنصح لهم أكثر مما يجتهد الوالد لولده، ويدعو من يلي أمور الناس إلى هذا الاجتهاد، ويحذِّره من غش الرعية أو التقصير في طلب الخير لها؛ فعن معقل بن يسار المزني: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة"، وفي رواية "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة" (أخرجه مسلم في السابق وفي كتاب: الإيمان، باب: استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار 1/125 (142)).



2 - قائد متواضع رقيق

مع كونه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أول الناس وأَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فإنه كان شديد التواضع لأدنى الناس منزلةً قبل أعلاهم؛ فعن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم يُرَ مقدِّمًا ركبتيه بين يدَيْ جليس له" (أخرجه الترمذي، في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، باب تواضعه من جليسه 4/564 (2490)).



وقال أيضًا: "إن كانت الخادم من أهل المدينة وهي أمة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فما ينزع يده منها حتى تذهب به حيث شاءت" (أخرجه أحمد (13256)، وابن ماجه في كتاب الزهد: باب البراءة من الكبر والتواضع 2/1398 (4177)).



ويَعُدُّ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الرفقَ من أعظم الأخلاق، ويقول: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، (أخرجه البخاري عن عائشة في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولم يصرح 12/ 280 (6927))، وفي وراية "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه" (أخرجه مسلم عن عائشة في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق 4/2004 (2593))، ويقول: "من يُحْرم الرفق يُحْرم الخير" (أخرجه مسلم عن جرير في الموضع السابق (2592)).



ويدعو كل حاكم ومسئول إلى أن يجعل الرفق بالأمة والرعية شعاره؛ فعن عائشة قالت: سمعت من رسول الله يقول في بيتي هذا: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به" (أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم 3/ 1458 (1828)).



وأمثلة رفقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالأمة كثيرة، لا يحصرها العدّ، وصدق الله العظيم الذي وصفه بالرءوف الرحيم ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 128).



3 - قائد عادل يراعي الضعيف قبل القوي والبعيد قبل القريب

لا يحابي في الحق ولدًا ولا بنتًا، ولا حميمًا ولا قريبًا، ولا كبيرًا ولا عظيمًا، بل الأمة كلها عنده سواء، ولا يعطي أعزَّ أهله قبل أن يعطيَ عموم الأمة من العطاء؛ فعن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب أنها قالت: "أصاب رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سبيًا؛ أي غنائم من الكفار، فذهبت أنا وأختي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فشكونا إليه ما نحن فيه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السبي؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "سبقكن يتامى بدر، لكن سأدلكن على ما هو خير لكن من ذلك: تكبرن الله على إثر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، وثلاثًا وثلاثين تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميدة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، قال عياش (أحد الرواة): وهما ابنتا عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (أخرجه البخاري في آخر كتاب: الأنبياء 6/ 513 (3475) وغيره، ومسلم في كتاب: الحدود، باب: قطع السارق الشريف وغيره 3/ 1315 (1688)).



وحتى ابنته وأعزّ الناس عليه وأحبّهم إلى قلبه؛ لا يفضلها على فقراء أهل الصُّفَّة؛ فعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا زوجه فاطمة بعث معه بخميلةٍ ووسادةٍ من أَدَمٍ حَشْوُهُا ليفٌ، ورَحَبَيْن وسِقَاءٍ وجَرَّتين، فقال علي لفاطمة رضي الله عنهما: "والله لقد سَنَوتُ (استقيت الماء للناس بالأجرة) حتى لقد اشتكيتُ صدري، وقد جاء الله أباك بسَبْي، فاذهبي فاستخدميه (أي اطلبي منه أن يعطيك خادمًا)" فقالت: "وأنا والله قد طحنت حتى مَجِلَتْ يداي (أي: نُزِعَ جلدها)"، فأتت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال: "ما جاء بك أي بنية؟"، قالت: "جئت لأسلم عليك"، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال: "ما فعلت؟" قالت: "استحييت أن أسأله"، فأتيناه جميعًا، فقال علي رضي الله عنه: "يا رسول الله.. والله لقد سنوتُ حتى اشتكيت صدري"، وقالت فاطمة رضي الله عنها: "قد طحنت حتى مَجِلَت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسَعَة، فأخدمنا (أي: أعطنا عبدًا يخدمنا)، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "والله لا أعطيكما وأَدَعُ أهل الصفة تَطْوَى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم" فرَجَعَا.. الحديث في تعليم النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما يقولانه دبر الصلاة وعند النوم، وأنه خيرٌ لهما من خادم (أخرجه أحمد (838) بسند حسن، وأصل الحديث في الصحيحين).



ولا يميّز صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بين أهله ورعيته في تطبيق الحدود الشرعية، بل يعد مثل هذا التمييز من أسباب هلاك الأمم؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟! فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟!، فكلَّمه أسامة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟!"، ثم قام فاختطب، ثم قال: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشرف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله.. لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (أخرجه أبو داود في كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذوي القربى 3/ 150 (2987)).



أليس هو الذي يرغب في العدل ويحض عليه ويَعِدُ العادلين المقسطين بالجلوس على منابر النور عن يمين الرحمن؟!، فيقول: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز جل، وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا" (أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم 3/ 1458 (1827)).



ومن كمال اهتمامه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالضعفاء وذوي الحاجات أنه بنى في مسجده الصُّفَّة التي كانت مأوى الغرباء والفقراء ومن لا أهل له ولا مال، وكانت الصفة بجانب بيوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان النازلون فيها ضيوفه وضيوف المسلمين، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ينام قبل أن يطمئن عليهم، ولم يكن يتناول طعامًا أو شرابًا من غير أن يشركهم فيه، بل كان يطعمهم ويسقيهم قبل أن يأخذ حظه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.



وهاك نموذجًا واحدًا من اهتمامه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بهذه الفئة الكريمة؛ فعن مجاهد أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول: أالله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرَّ أبو بكر فسألته عن آيةٍ من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ بي عمر فسألته عن آيةٍ من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمرَّ فلم يفعل، ثم مرَّ بي أبو القاسم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فتبسَّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال: "يا أبا هر" قلت: "لبيك يا رسول الله" قال: "الْحَقْ"، ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح فقال: "من أين هذا اللبن؟" قالوا: أهداه فلان أو فلانة: قال: "أبا هر" قلت: "لبيك يا رسول الله" قال: "الْحَقْ إلى أهل الصفة فادعهم لي"، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام؛ لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد؛ إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها؛ فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟! كنت أحقَّ أنا أن أصيب من هذا اللبن شربةً أتقوَّى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟! ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بُدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: "يا أبا هر" فقلت: "لبيك يا رسول الله"، قال: "خذ فأعطهم"، قال: "فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يَرْوَى، ثم يرد عليَّ القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وقد رَوِيَ القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليَّ فتبسم فقال: "أبا هر" قلت: "لبيك يا رسول الله"، قال: "بقيت أنا وأنت"، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: "اقعد فاشرب" فقعدت فشربت، فقال: "اشرب" فشربت، فما زال يقول: "اشرب" حتى قلت: "لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا"، قال: "فأرني" فأعطيته القدح، فحمد الله وسمَّى وشرب الفضلة (أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه وتخليهم عن الدنيا 11/ 281 (6452)، والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، باب رقم (36)/ 4/559 (2477)).



4 - قائد حافظ لحرمات الناس لا يتنصت على رعيته

هذا القائد العظيم كان يرفض أن يتنصت على رعيته، أو أن يتعرف على أسرارهم، ويرى أن هذا من الخصوصيات التي يجب حمايتها، ولا يوجه إلى أن تُنصَب لهم آلات التصوير الخفية لتصورهم حين يرتكبون جرائمهم، ولا يسلط الشرطة وغيرها لتتجسس على الناس المخالفين له حتى تقبض عليهم متلبسين!.



بل إن توجيهات القائد الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هنا حاسمة كل الحسم في صيانة حرمات الناس الخاصة، وتحريم التجسس عليهم أو تتبع عوراتهم؛ سواءٌ من قِبل الأفراد أو من قِبل السلطات الحاكمة؛ فيقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:"من استمع إلى حديث قوم يكرهونه صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" أي الرصاص المغلي المذاب من شدة الحرارة (عن ابن عباس، أخرجه أحمد (3383)، وصححه ابن حبان (5685)).



ويرفض صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يبعث عيونه بين رعيته؛ فعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه.. لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عوراتهم يتتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته".



العيون إنما يبعثها القائد لتتجسس على عدوه، وتنقل له أخبار خصومه الذين يتربصون بالأمة، أما أبناؤه وبناته ورعيته الذين وُكل إليه أمرهم، وأُمر أن يجتهد في الخير لهم، فلا يمكن أن يتنصت عليهم، ولا أن يتتبع مجالسهم، بل ولا أن يدخل عليهم بغير استئذان وهو الأب القائد صلوات الله وسلامه عليه.



حتى من بلغه أنه ينافق وأنه يجتمع مع مجلس نفاق أو يجتمع لفعل شيء محرم، كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يرفض أن يبعث إليه ليتجسس عليه؛ فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذ جاءه حرملة بن زيد، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: "يا رسول الله.. الإيمان ها هنا، وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ها هنا، وأشار بيده إلى صدره، ولا يذكر الله إلا قليلاً، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فردَّد ذلك عليه، وسكت حرملة فأخذ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بطرف لسان حرملة، فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "اللهم اجعل له لسانًا صادقًا، وقلبًا شاكرًا، وارزقه حبي وحب من يحبني"، وصيَّره أمره إلى الخضير، فقال: حرملة: "يا رسول الله.. إن لي أخوانًا منافقين كنت فيهم رأسًا؛ أفلا أدلك عليهم؟" فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "لا.. من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك، ومن أصرَّ على ذنبه فالله أولى به، ولا تخرق على أحد سترًا".



وهكذا فهم أصحابه رضي الله عنهم؛ فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه حرس ليلةً مع عمر رضي الله عنه بالمدينة؛ فبينما هما يمشيان شبَّ لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه (أي يقصدونه) حتى إذا دنوا منه، إذا باب مُجاف (أي مغلق) على قوم، لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط؛ فقال عمر رضي الله عنه وأخذ بيد عبد الرحمن: "أتدري بيت من هذا؟!" قال: "لا"، قال: "هو ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شُرْبٌ (أي يشربون الخمر) فما ترى؟" قال عبد الرحمن: "أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، نهانا الله فقال ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: من الآية 12)، فقد تجسسنا"، فانصرف عمر عنهم وتركهم (أخرجه الطبراني في الكبير (3475)).



وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمَّناه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة" (أخرجه البخاري في كتاب الشهادات: باب الشهداء العدول 5/ (2641)).



وفي رواية عن ابن فراس النهدي أن عمر رضي الله عنه قال: "من أظهر منكم خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم لنا شرًّا ظننا به شرًّا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم" (الحديث أخرجه أحمد (286)، ورجاله ثقات).



وعن زيد بن وهب قال: أتى ابن مسعود رضي الله عنه فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله رضي الله عنه: "إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به" (أخرجه أبو داود بإسناد صحيح في كتاب: الأدب، باب: في النهي عن التجسس 4/ 272- 273 (4890) وصححه الحاكم 4/ 418 (8135)).



وعن دخين كاتب عقبة بن عامر قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر، وأنا داعٍ لهم الشرط فيأخذوهم، فقال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا، قال: فجاءه دخين فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وأنا داعٍ لهم الشرط، فقال عقبة: ويحك.. لا تفعل؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: "من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها" (أخرجه أحمد (17395)، وأبو داود في كتاب الأدب، باب: في الستر على المسلم 4/273 (4891)، وصححه ابن حبان (517)).



ولا يلجأ النبي القائد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى هذه الصورة القبيحة القميئة التي لا يكون هم الراعي فيها إلا أن يتعرف على خصوصيات رعيته ليخوِّفهم ويرهبهم، ليسمعوا ويطيعوا بلا وعي؛ فهذا خلاف الولاية الصحيحة التي أرادها الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.



5 - قائد صبور يتغافل عن الأخطاء

يأتيه أحد الناس يسيئون الأدب معه، فيلقاه بالسماحة والرفق، ويصبر على إساءته، ويدَعُ معاقبته؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم فقال: "يا رسول الله.. اعدل"، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "ويلك.. ومن يعدل إن لم أعدل؟! قد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل"، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يا رسول الله.. ائذن لي فيه أضرب عنقه"، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "دعه.." الحديث..



وفي رواية أن الرجل قال له: "اتق الله يا محمد"!! فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "فمن يطع الله إن عصيته؟! أيأمنني- يعني الله عز وجل- على أهل الأرض ولا تأمنوني"؟!: قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله... الحديث..



وفي رواية أن الرجل قال: "اتق الله"، فقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "ويلك.. أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!" ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: "يا رسول الله.. ألا أضرب عنقه؟!" قال: "لا؛ لعله أن يكون يصلي" قال خالد: "وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه!"، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم..." الحديث (أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة:، باب ذكر الخوارج وصفاتهم 2/ 741- 744 (1064)).



وحين يصل إليه أن أحد رعيته قد أساء القول فيه، والناقل له من أخصّ أصحابه الثقات، يذكّر نفسه بما أصاب إخوانه من الأنبياء ويصبر، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قسمةً، فقال رجل من الأنصار: "والله.. ما أراد محمد بهذا وجه الله!" فأتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فأخبرته، فتمعَّر وجهه وقال: "رحم الله موسى.. لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه 10/ 475 (6059)).



وفي رواية أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: "لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر"، قال عبد الله: فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمال فقسمه، فانتهيت إلى رجلين جالسين وهما يقولان: "والله.. ما أراد محمد بقسمته التي قسمها وجه الله ولا الدار الآخرة"!، فتثبَّت حين سمعتها فأتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأخبرته، فاحمرَّ وجهه وقال: "دعني عنك؛ فقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر" (أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم 5/ 667 (3896)).



وحين يبلغه عن فئة من الرعية أنهم أساءوا فَهْم تصرُّف من تصرفاته الحكيمة لا يتأخر في شرح تصرفه وبيان مراده واستلال ما في صدور الرعية واسترضائهم؛ فعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه قال: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يوم حنين قَسَمَ في الناس في المؤلَّفة قلوبهم ولم يعطِ الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا (أي غضبوا)؛ إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار.. ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟! وكنتم متفرقين فألَّفكم الله بي؟! وعالةً فأغناكم الله بي؟!" كلما قال شيئًا قالوا: "الله ورسوله أَمَنُّ، قال: "لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا- يعني طريدًا- فآويناك ونصرناك.. أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى رحالكم؟!.. لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شِعارٌ والناس دِثار.. إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف 8/47 (4330)، ومواضع أخرى، ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام 2/738- 739 (1061)).



بل أعظم من هذا وأكرم في قيادته الحكيمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه كان يعلم يقينًا أن المنافقين الذين عادوا إليه بعد غزوة تبوك يتلمسون الأعذار كاذبون، وكان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يأتيه الواحد منهم فيأخذه بظاهر حاله، يقول: "يا رسول الله.. استغفر لي؛ فقد كان عندي عذر كذا"، فيقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "غفر الله لك"، والدليل على أنه كان يعلم حالهم أنه لما أقبل كعب بن مالك وصاحباه، تبسَّم إليه تبسُّم المغضب، ولما قال كعب بن مالك: "والله.. ما كان لي من عذر"، وقال كذلك صاحباه، قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "أمَّا هذا فقد صدق"، إذن هو يعلم أن الذي سبق كاذب، لكن هكذا يكون القائد الشفوق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأنه لا يريد أن يبث في الأمة هذه الروح، فيلتفت كل الناس إلى الوقيعة بعضهم ببعض عنده حين يكون سمَّاعًا، وحين يكون أذنًا لمن يأتيه بالظن والتهمة، فيسمع لهذا وذاك، وتشيع بين الأمة هذه الروح الفاسدة المفسدة، كما هي طبيعة الحاكم المستبد، الذي يجمع حوله أصحاب المصالح، فيحيكون ويخترعون ويفترون له القصص والحكايات؛ تقربًا إليه وإيقاعًا بالآخرين لديه، أما هو صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فكان يرفض هذه الطريقة، بل كان يقول للمسلمين كما سبق: "من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها".. هذا هو الرئيس القائد الذي يقود الأرواح والقلوب والعقول.



6 - قائد حريص على الشورى وحرية الرأي والتعبير

جاء القائد الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمنهج عنوانه ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38)، ولما أدت الشورى في غزوة أحد إلى الخروج للقاء العدو خارج المدينة على خلاف رغبته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وتقديره، ثم انتهت المعركة إلى ما انتهت إليه بسبب مخالفة الرماة أمرَه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وقال المنافقون: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: من الآية 168)، أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تأكيدًا لمبدأ الشورى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159) إلزامًا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالشورى على الرغم مما حدث، بل يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: "لو اجتمعتما في مشورةٍ ما خالفتكما" (أخرجه أحمد (17994)).



وقد مارس صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هذه الشورى في مختلف القضايا الكبرى والصغرى التي تهم الأمة، ومن أمثلة ذلك ما حصل في الحديبية؛ فعن المسور بن محزمة ومروان بن الحكم يصدِّق كل واحدٍ منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم زمان الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الهَدْي وأَشْعَرَهُ وأَحْرَمَ بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريب من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: "إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا الأحابش، وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت"، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعلنوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين، وإن نجوا- وقال يحيى بن سعيد عن ابن المبارك: محزونين وإن يحنون- تكن عنقًا قطعها الله، أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟"، فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، "يا نبي الله.. إنما جئنا معتمرين، ولم نجيء نقاتل أحدًا، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه"، فقال النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "فرُوحُوا إذًا"، قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول: "ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم" (الحديث أخرجه أحمد (18928)، وأخرجه الترمذي كلام أبي هريرة في كتاب الجهاد: باب ما جاء في المشورة 4/186، عقب ذكر المشورة في أسرى بدر (1714).



وقد التزم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بنتائج هذه الشورى وإن خالفت رأيه، واستشار أهل الاختصاص فيما هو من اختصاصهم، وأخذ برأيهم فيما برعوا فيه، ولم يجعل رأيه ملزمًا لهم فيما هو من شئون الحياة الخاضعة لخبرات الناس وتطورات الأحوال، كالزراعات والصناعات ونحوها، مما يكون رأيه فيها على سبيل الظن، لا على سبيل التبليغ وبيان الأحكام الشرعية، كما حصل في قصة تلقيح النخل، فعن طلحة رضي الله عنه قال: "مررت مع رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بقومٍ على رءوس النخل فقال: "ما يصنع هؤلاء؟" فقالوا: "يلقِّحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح"، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "ما أظن يغني ذلك شيئًا" قال: فأخبروه بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به؛ فإني لن أكذب على الله عز وجل" (أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي 3/ 1835 (2361)).



بل كان يستشير أصحابه في كثيرٍ من أموره الخاصة وأمور بيته، فلما حصلت قصة الإفك وقال المرجفون ما قالوا في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، استشار الصحابة في الأمر، وقال- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "أشيروا علي في أناس.. أَبَنُوا (أي عابوا أو اتهموا) أهلي؟" (أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا 8/ 487 (4757)، ومسلم في كتاب التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف 4/ 2138 (2770)).



فإذا كان النبي المعصوم الذي يتلقى الوحي من الله مأمورًا بأن يشاور أمته، وأن يشاور من حوله، فكيف بمن هو دونه؟! كما كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعد الحرية في التعبير عن الرأي مدخل الإصلاح الناجح الذي جاءت به رسالته المباركة، وكان يستعمل الحجة لا الإكراه في إقناع واستمالة المخالفين، ويبشِّر الأمة التي تتخذ من خيارها أمراءها وتجعل أمرها شورى بينها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خيرٌ لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها" (أخرجه الترمذي في كتاب الفتن باب.. 4/ 459 (2266)).



وعلى هذا ربَّى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أصحابه، فلما تولَّوا أمر الناس من بعده جعلوه قدوتهم في ذلك، فعزُّوا وسعدوا وأعزوا أمتهم ودينهم؛ فهذا عمر رضي الله عنه كان حينما يعطي عماله، أي موظفيه الذين سيتولون أمور الناس، خطابَ التكليف.. يقول لهم: "أيها الناس.. إن الله عظم حقه فوق خلقه"، ثم يقول: "إني لم أبعثكم أمراء ولا جبابرة، ولكن بعثتكم أئمة الهدى يُقتَدى بكم، فلا تمنعوا الناس حقوقهم فتظلوهم" (أخرجه أبو يوسف القاضي في كتاب الخراج).



وكان رضي الله عنه يوضح لعماله وأمرائه أنهم ذاهبون لإصلاح أحوال الناس ومساعدة الرعية، ثم يقول رضي الله عنه: "أما والله، لا يأتيني أحد برجل ظلمه أو أخذ حقه، إلا وجعلت له القصاص منه" (أخرجه أبو يوسف القاضي في كتاب الخراج).



وكان رضي الله عنه يقول للرعية من جميع الأقطار: "ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم؛ فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده إذن لأُقِصَّنَّه منه" فوثب له عمرو بن العاص فقال: "يا أمير المؤمنين.. أورأيت إن كان رجل من المسلمين على رعيته فأدَّب بعض رعيته.. أئنك لمقتصُّه منه؟ قال: "إي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصُّنه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يُقِصُّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم- أي لا تحبسوهم في الرباط والثغور عن العودة لأهليهم- فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم" (أخرجه أحمد (286) ورجاله ثقات).



وما دام هناك حرية، وما دام هناك شورى وما دام هناك عدالة، فإن بهذا ينجح المشروع الإصلاحي وتنجح القيادة الحكيمة.



7 - قائد رافض للقسوة

يقول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "إن شر الرعاء الحطمة"، وقد تعلم منه الصحابة الكرام هذا، حتى إن أحدهم، وهو عائذ بن عمرو رضي الله عنه، دخل على عبيد الله بن زياد- وكان جبارًا- فقال: "أي بني.. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: "إن شر الرعاء الحطمة"، فإياك أن تكون منهم"، فقال : "اجلس؛ فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم"، فقال: وهل كانت لهم نخالة؟! إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم" (أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم 3/ 1461 (1830)).



وفي روايةٍ أن عائذ بن عمرو رضي الله عنه قال: "يا للمسلمين!!.. وهل كان لأصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نخالة؟! بل كانوا لبابًا، والله ما أدخل عليك ما دام فيَّ الروح".



هذا جيل عظيم؛ ربَّاه القائد على هذه المعاني فلم تكن فيهم نخالة، ولم يكن فيهم أراذل؛ لأنه جيل تربى تربية صحيحة.. قاده قائد أحسن قيادته، فأخرج منه جيلاً كريمًا قائدًا نافعًا لنفسه ولأمته.



والحطمة- كالهمزة واللمزة- هو الشديد الحطم؛ فيقال لكثير الحطم وكثير الاستبداد: حطمة، فهو الذي يظلم رعيته ولا يرحمهم، وهو الذي يسوق رعيته سوقًا شديدًا عنيفًا لا رفق فيه، ويأخذهم بالشدة.



ويقال الحطمة هو الأكول الحريص الذي يأكل ما يرى ويقضمه، فإن دأب الإمام الجائر على أن يكون سيئ النفس ظالمًا بطبعه، شديد الطمع فيما في أيدي رعيته، لا يحرص على نفعهم بقدر ما يحرص على نفع نفسه ولو بظلم رعيته، ولا ريب أن ثمة تحالفًا بين المال الحرام والاستبداد السياسي يجعل من الراعي القاسي شرَّ الرعاة على الإطلاق.



وحينما يكون الراعي كذلك فإن الناس ينظرون إليه نظر الطير للصائد، لا نظر الجندي للقائد أو الأولاد للوالد، ومن ثم يكونون أخوف ما يكونون منه، وهو ينظر إليهم أيضًا نظر الصائد الذي ينتهز الفرصة لكي يقتنص صيده.



هذه الحالة النفسية التي تحصل للرعية جرَّاء هذا السَّوق العنيف، وهذه الطريقة الشديدة في رعاية الناس وفي رعاية مصالح الناس لا بد أن تعود على الأمة بالخذلان والخسران؛ فلا يمكن أن تحمل الأمة مشروعًا ناجحًا أو رسالة نافعة إذا كانت العلاقة بين القائد وعامة الشعب بهذه الصورة العنيفة التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ حين يفرض القائد على الأمة ألا تسمع إلا له، وألا تسير إلا خلفه، وحينما يمنعها أن تبديَ آراءها، وحين يسلب حريتها وكرامتها، وحين يبيع قضاياها الكبرى رخيصةً لعدوها، وحين يفرض عليها أن تسير هذا السير الشديد الذي يؤلمها ويتبعها، وحين يرى أنه لا يستتب أمره إلا بقهرها، فإنها لا بد أن تفكِّر في التخلص منه.



وإذا نظرنا إلى مراحل السقوط في تاريخنا الإسلامي قاطبة وجدنا أنها دائمًا ما تمر بمراحل من الأمراء الحطمة، من الأمراء الذين يسوقون الأمة بأهوائهم وآرائهم، غير عابئين بالرفق بالرعية أو بأخذها إلى ما فيه صلاح حالها.



فإذا نظرنا في المقابل إلى حالات السمو التي مرت بها هذه الأمة في تاريخها الطويل، وجدنا أن الله- سبحانه وتعالى- حين يرزقها براعٍ رفيقٍ يأخذ بيدها، فإن النهضة والعزة والجد تكون من نصيبها.



لننظر إلى المجدد الأول بعد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- سيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله، هذا الذي كان يأخذ الرعية برفق، ويدعو عماله إلى أن يأخذوا الرعية برفق، أرسل إليه اثنين من ولاته وأمرائه يقولان: "نرى أن الناس لا يصلحهم إلا السيف"، فقال عمر- رحمه الله- قد كتب إليهما: "خبيثين من الخبث، ورديئين من الرديء، أتعرِّضان لي بدماء المسلمين؟!، والله.. لدمكما أهون عليّ من دماء المسلمين" (أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء).



ولهذا كانت المدة اليسيرة التي تأمَّر فيها عمر رحمه الله على المسلمين (سنتان وخمسة أشهر وبضعة أيام) كفيلةً بأن ترفع لواء الأمة من جديد، وأن تعيد إليها نهضتها من جديد، وهذا ما نحن في أمس الحاجة إليه.



8 - قائد لا يؤاخذ الناس بالظن والتهمة ولا يبتغي الريبة في الرعية

كان- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من شدة شفقته كقائد يرفض أن يؤاخذ الناس بالظن، أو يعاقبهم على مجرد التهمة، ليس هذا فقط، ولكنه يدعو القائد والحاكم ورئيس الأمة وكل قائد على أي مستوى.. الأب مع أبنائه، والمدير في مصنعه، وكل من يلي أمرًا من أمور المسلمين، إلى عدم تتبع عورات الناس أو ابتغاء الريبة والتهمة في الرعية، حتى لا تفسد الرعية.



روى عدد من الصحابة والتابعين عن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم" (الحديث عن جبير بن نفير، وكثير بن مرة، وعمرة بن الأسود- رحمهم الله- وعن المقدام بن معد يكرب وأبي أمامة- رضي الله عنهم- أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في النهي عن التجسس 4/ 272 (4889)، وأحمد (23815)، وغيرها).



وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم".



فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نفعه الله تعالى بها" (أخرجه أبو داود في الموضع السابق (4888)، والبخاري في الأدب المفرد، ص 96 (248) وغيرهما).



قال العلماء: إن الأمير إذا ابتغى الريبة- أي طلب الريبة؛ أي التهمة- في الناس بنية فضائحهم أفسدهم وما أمهلهم، وجاهرهم بسوء الظن فيهم، فيؤديهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ورُمُوا به، ففسدوا.



ومقصود الحديث: حثُّ الإمام على التغافل وعدم تتبع العورات؛ فإن بذلك يقوم النظام ويحصل الانتظام، والإنسان قلَّما يسلم من عيبه؛ فلو عاملهم بكل ما قالوه أو فعلوه اشتدت عليهم الأوجاع واتسع المجال، بل يستر عيوبهم، ويتغافل ويصفح، ولا يتتبع عوراتهم، ولا يتجسس عليهم.



وكذلك فإن الأمير إذا تتبع ما أمر الله تعالى بترك تتبعه امتثل الناس ذلك منه، وفعلوا مثل فعله، فكان في ذلك إفسادهم؛ فالأمير عندما يعامل الناس على أساس أنهم جميعًا يتآمرون عليه، فإن سيتجسس ويتنصت ويضع العيون هنا وهناك، وهو بذلك يفسد الناس؛ لأنه في هذه الحالة ستجد منافقًا يريد أن يتقرب منه، ويقول له فلان يشتمه، وهو كاذب، وسوف يصدقه الأمير؛ لأنه يريد أن يسيطر على جميع الناس، فيصبح المجتمع عبارة عن مجموعة منافقين يضرب بعضها بعضًا، فيفسد المجتمع!! ويصير مجتمعًا ينظر إلى القائد نظر الطير إلى الصائد، والعكس؛ فيصبح القائد يتعامل مع شعبه تعامل من يريد أن يوقعه في حفرة!! فيفسد المجتمع!!.



وبهذا عمل خامس الخلفاء الراشدين حين عَيَّن أميرًا على الموصل، فرأى كثرة السُّرَّاق بها، فكتب إلى عمر يقول: "هل آخذهم بالظنة وأضربهم على التهمة؟ أم آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة؟".



يرى هذا الراعي أو هذا الوالي أنه لو عامل الناس بالحق والعدل والقانون وما في كتاب الله وسنة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فإن ذلك سيطمع بعض النفوس الضعيفة في أن تعدد سرقاتها ويتعدد فسادها، ويعرض له بأن لو أنه أخذ الناس بالشدة ولو أخذهم بالتهمة ولو أخذ كل مشتبه فيه لكان هذا سبيلاً ناجحًا لإصلاح الناس في البلد، فكتب إليه عمر- رحمه الله-: "خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة؛ فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله".. يقول هذا الوالي: "ففعلت ذلك، فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقًا ونهبًا (أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء).



فإن بدا له- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- شيء بالأدلة القاطعة والبينات الواضحات عاقب صاحبه، وبالعقوبة الشرعية دون زيادة، وإلا لم يقبل الظن أيًّا كان، ولعل بعض الناس تحوم حوله قرائن كثيرة من الشك، ومع ذلك يرفض النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أن يؤاخذهم بهذه الظنة، أو أن يعاقبه على التهمة.



فعن عبد الله بن عدي الأنصاري أن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بينما هو جالس بين ظهراني الناس إذ جاءه رجل يستأذنه فسارَّه- زاد في رواية: فلم يدر ما سارَّه به حتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فإذا هو يستأذنه- في قتل رجل من المنافقين، فجهر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بكلامه، وقال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟!"، قال: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال: "أليس يشهد أني رسول الله؟!"، قال: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال: "أليس يصلي؟!" قال: بلى، ولا صلاة له، فقال النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"أولئك الذين نهيت عنهم" (الحديث صححه ابن حبان (5371)، وأخرجه مالك في الموطأ عن عبيد الله بن عدي بن الخيار مرسلاً في كتاب قَصْر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة ص 171 (84)).



بل يرفض أن يتغير صدره على رعيته، ويقول للذي يأتي إليه ليبلغه أن فلانًا قال كذا أو فعل كذا مما قد يوغر صدره، ويغير قلبه على رعيته: "لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" (أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في رفع الحديث من المجلس 4/265 (4860)).



9 - قائد يأسف لإنزال العقوبة بأحدٍ من الرعية

كان- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- حين يضطر إلى إيقاع العقوبة بمسلم ارتكب خطأ أمام الناس فشهد عليه الشهود، يظهر على وجهه الأسف والغضب، كما حصل عند أول مرة قطع فيها سارقًا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إني لأذكر أول رجل قطعه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ أتي بسارق فأمر بقطعه، وكأنما أسف وجه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: قالوا: "يا رسول الله.. كأنك كرهت قطعه!" قال: "وما يمنعني؟!.. لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم!، إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه.. إن الله عز وجل عفوٌّ يحب العفو ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ (النور: من الآية 22)" (أخرجه أحمد (4168)، 419 (3977)، وصححه الحاكم 4/ 424 (8155))، وفي روايةٍ قال: "وكأنما أسف وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: "ذُرَّ عليه رماد".



صلى الله عليك يا رسول الله!.. يغضب مع أنه يقيم حدًّا من حدود الله، ولكنه- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كان حريصًا كقائد على أن تكون رعيته على الوجه المطلوب.



وهذا ما كان يفعله كبار الصحابة- رضي الله عنهم- من الأئمة الخلفاء؛ فأبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: "لو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله" (أخرجه ابن شيبة 5/ 474 (28082)، وابن سعد في الطبقات الكبرى 5/13، وصحح ابن حجر إسناد بن أبي شيبة في الإصابة 2/629).



10 - قائد ينصف ويدعو إلى القصاص من نفسه

كان- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يعرض نفسه إلى الاقتصاص منه إذا حصل شيء يوجب القصاص منه، فعن عمر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يُقِصُّ من نفسه" (أخرجه النسائي في كتاب القسامة، باب: القصاص من السلاطين 8/34).



ومن ذلك ما وراه عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرة بن حزم الأنصاري، أن رجلاً من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ممن شهد معه حنينًا قال: إني والله لأسير إلى جنب رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- على ناقة لي، وفي رجلي نعل لي غليظة، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
صفات النبي القائد صلي الله عليه وسلم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صقور البريد المصرى :: الواحات الايمانيه-
انتقل الى: